محمد بن جرير الطبري
135
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
مهران ، عن سفيان ، عن الضحاك بن مزاحم فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها قال : الطاعة والمعصية . وقال آخرون : بل معنى ذلك : أن الله جعل فيها ذلك . ذكر من قال ذلك : حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله : فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها قال : جعل فيها فجورها وتقواها . حدثنا ابن بشار ، قال : ثنا صفوان بن عيسى وأبو عاصم النبيل ، قالا : ثنا عزرة بن ثابت ، قال : ثني يحيى بن عقيل ، عن يحيى بن يعمر ، عن أبي الأسود الديلي ، قال : قال لي عمران بن حصين : أرأيت ما يعمل الناس فيه ويتكادحون فيه ، أشيء قضي عليهم ، ومضى عليهم من قدر قد سبق ، أو فيما يستقبلون ، مما أتاهم به نبيهم عليه الصلاة والسلام ، وأكدت عليهم الحجة ؟ قلت : بل شيء قضي عليهم ، قال : فهل يكون ذلك ظلما ؟ قال : ففزعت منه فزعا شديدا ، قال : قلت له : ليس شيء إلا وهو خلقه ، وملك يده ، لا يسأل عما يفعل وهم يسألون . قال : شددك الله ، إنما سألتك " أظنه أنا " لأخبر عقلك . إن رجلا من مزينة أو جهينة ، أتى النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال : يا رسول الله ، أرأيت ما يعمل الناس فيه ويتكادحون : أشيء قضي عليهم ، ومضى عليهم من قدر سبق ، أو فيما يستقبلون ، مما أتاهم به نبيهم عليه السلام وأكدت به عليهم الحجة ؟ قال : " في شيء قد قضي عليهم " ؛ قال : ففيم نعمل ؟ قال : " من كان الله خلقه لإحدى المنزلتين يهيئه لها ، وتصديق ذلك في كتاب الله : وَنَفْسٍ وَما سَوَّاها فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها " . القول في تأويل قوله تعالى : قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها . . . أَشْقاها . . . وَلا يَخافُ عُقْباها يقول : قد أفلح من زكى الله نفسه ، فكثر تطهيرها من الكفر والمعاصي ، وأصلحها بالصالحات من الأعمال . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني علي ، قال : ثنا أبو صالح ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها يقول : قد أفلح من زكى الله نفسه . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا مهران ، عن سفيان ، عن خصيف ، عن مجاهد وسعيد بن جبير وعكرمة : قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها قالوا : من أصلحها . حدثنا أبو كريب ، قال : ثنا وكيع ، عن سفيان ، عن خصيف ، عن مجاهد وسعيد بن جبير ، ولم يذكر عكرمة . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها من عمل خيرا زكاها بطاعة الله . حدثنا ابن عبد الأعلى ، قال : ثنا ابن ثور ، عن معمر ، عن قتادة قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها قال : قد أفلح من زكى نفسه بعمل صالح . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله : قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها يقول : قد أفلح من زكى الله نفسه . وهذا هو موضع القسم ، كما : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قال : قد وقع القسم هاهنا قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها وقد ذكرت ما تقول أهل العربية في ذلك فيما مضى من نظائره قبل . وقوله : وَقَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها يقول تعالى ذكره : وقد خاب في طلبته ، فلم يدرك ما طلب والتمس لنفسه من الصلاح مَنْ دَسَّاها يعني : من دسس الله نفسه فأحملها ، ووضع منها ، بخذلانه إياها عن الهدى حتى ركب المعاصي ، وترك طاعة الله . وقيل : دساها وهي دسسها ، فقلبت إحدى سيناتها ياء ، كما قال العجاج : تقضي البازي إذا البازي كسر